شهدت بلدة بعذران الشوفية، وتحديداً في رحاب «بيت الضيعة»، فعاليات احتفالية يوم الأغذية العالمي لعام 2026، والتي جاءت بتنظيم مشترك بين وزارة الزراعة، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، وبرنامج الأغذية العالمي. أقيم هذا الحدث برعاية وزير الزراعة الدكتور نزار هاني وحضوره، رافعاً شعار «الابتكار اليوم… غذاء الغد»، وبمشاركة حاشدة ضمّت ممثلين عن السلك الدبلوماسي، والمؤسسات الرسمية، والمنظمات الدولية، والبلديات، والنقابات، والتعاونيات الزراعية، فضلاً عن جمع غفير من المزارعين والمنتجين وشركاء التنمية الريفية.
جسّدت المناسبة ملتقى فريداً يمزج بين الابتكار الزراعي الأصيل والتراث الغذائي المحلي، مانحةً الحاضرين منصة حيوية لتبادل الخبرات وتوثيق الشراكات الهادفة إلى دفع عجلة الإنتاج وتحسين سبل العيش. وقد تركزت الجهود على آليات توظيف المعرفة الحديثة والتقنيات المبتكرة لرفع دخل المزارعين، وحماية الموارد الطبيعية المتاحة، فضلاً عن توسيع آفاق العمل وتوفير الفرص الواعدة أمام النساء والشباب في القطاع الريفي.
افتُتح اللقاء بكلمات رسمية استهلالية استهلت بترحيب من رئيس بلدية بعذران، وليد خطار، الذي عبّر عن فخر البلدة باحتضان هذه الفعالية في «بيت الضيعة»، مشدداً على الدور المحوري للقرى اللبنانية في صون التراث الزراعي والغذائي. وأكد خطار على ضرورة تكثيف التعاون بين البلديات، ووزارة الزراعة، والهيئات الدولية، والمؤسسات الأكاديمية لمساندة المزارعين وتطوير المشاريع الصغيرة والتعاونيات، لاسيما تلك التي تقودها الأيادي النسائية والشبابية، شارحاً كيف يسهم ربط الإنتاج الزراعي بالمونة والسياحة الريفية في إنعاش الاقتصاد المحلي وتحسين الدخل.
من جانبه، هنّأ المدير العام للزراعة، المهندس لويس لحود، منظمة «الفاو» بذكرى تأسيسها الحادية والثمانين، مستعرضاً محطات تاريخية في مسيرة التعاون المتين بين المنظمة ولبنان منذ خمسينيات القرن الماضي ودور اللبنانيين المحوري فيها. ودعا لحود إلى تحويل شعار المناسبة إلى واقع عملي وخدمات ملموسة عبر تطوير الإرشاد الزراعي، ورفع المهارات، وتحسين جودة الإنتاج وسلامته، وتوسيع قنوات التسويق. وأوضح أن قيمة الابتكار تكمن في قدرته على تخفيض كلفة الإنتاج، وترشيد استهلاك المياه والمدخلات، وتقليص الهدر، فضلاً عن حماية هوية المنتجات اللبنانية وتطوير تصنيعها وتوضيبها لتعزيز ثقة المستهلك وفتح أسواق خارجية أوسع، مطالباً الهيئات الدولية والجهات المانحة بمضاعفة دعمها للقطاع الزراعي في لبنان.
بدورها، أشارت ممثلة برنامج الأغذية العالمي ومديرته في لبنان، أليسون عُمان لاوي، إلى حساسية التوقيت الذي تقام فيه الاحتفالية وسط تداعيات الأزمات المتراكمة التي تثقل كاهل الأسر والمزارعين، مؤكدة أن الأمن الغذائي يظل هاجساً يومياً ملحاً. واعتبرت أن شعار الابتكار يشمل تحسين استخدام الموارد، والمعارف، والشراكات لمساعدة المزارعين على التكيف وربطهم بفرص نوعية، مشددة على التزام البرنامج بمواصلة دعم الأسر الأكثر هشاشة بالتوازي مع تقوية النظم الغذائية وقدرات المؤسسات الوطنية لتقليل الاعتماد المستقبلي على المساعدات الإنسانية.
وفي السياق ذاته، استحضرت ممثلة «الفاو» في لبنان، فيرونيكا كواترولا، الأبعاد التاريخية والجغرافية لبلدة بعذران وطبيعتها الجبلية الرابطة بين الماضي والحاضر، مؤكدة أن الحق في الغذاء يتطلب رعاية مختلف مراحل إنتاجه وصولاً للمستهلك. ولفتت إلى أن الابتكار لا يقتصر على التقنيات المعقدة كالتكنولوجيا المتقدمة، بل يشمل أيضاً الحلول العملية البسيطة وإشراك المزارعين والمزارعات في صناعة القرار لضمان استمرارية عملهم في أراضيهم وتمكين أسرهم من تخطيط مستقبلهم بثقة. وعرضت مجالات عمل «الفاو» المتنوعة في مجالات الإدارة المستدامة للموارد ومواجهة التغير المناخي ودعم السياسات الزراعية.
وفي كلمته الختامية للشق الرسمي، أكد الوزير الدكتور نزار هاني التزام الدولة الراسخ بحق كل مواطن في الحصول على غذاء كافٍ، وصحي، وآمن، وحماية الأرض وموارده الحيوية. وأعرب عن فخره بانتمائه إلى بعذران، مشدداً على أن مستقبل الأرياف يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتمكين أبنائها من إيجاد فرص عمل مجزية وقيمة حقيقية لإنتاجهم. وتطرق هاني بأسف إلى المعاناة القاسية التي يواجهها المزارعون في الجنوب نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت الحقول والبنى التحتية وشبكات الري، مؤكداً أن إعادة تأهيل الزراعة الجنوبية واستعادة دورة الإنتاج هناك تقع في صلب الأولويات الوطنية للوزارة.
كما تناول الوزير خطط توسيع الأسواق الخارجية عبر جولاته وزياراته العربية لمعالجة عوائق النقل والتصدير وتلبية معايير الجودة، عارداً رؤيته في تسخير الابتكار الزراعي والذكاء الاصطناعي والإرشاد لخدمة الحيازات المختلفة، وتوجيه التحية للمزارعين والنساء الريفيات والشباب باعتبارهم عصب الأمن الغذائي ونبض الأرض والحياة.
تخللت الاحتفالية سلسلة من الفعاليات والأنشطة التطبيقية الغنية؛ حيث افتُتح معرض للابتكار الزراعي تفقّد الحاضرون أجنحته، أعقبته جلسة نقاشية متخصصة تحت عنوان «تجارب ناجحة: الابتكار في الزراعة وإنتاج الغذاء» بإدارة عميدة كلية الزراعة في الجامعة اللبنانية الدكتورة نادين نصّيف. كما قُدّم عرض تفاعلي لافت من مجموعة دبانه حول «الذكاء الاصطناعي والتحوّل الرقمي في الزراعة»، وتكاملت الفعاليات مع معرض للمونة والمنتجات الغذائية البلدية وغداء قروي سلط الضوء على الغنى التراثي والسياحي للمنطقة، ليعكس اللقاء تكاملاً حياً بين العلم والخبرة المتوارثة في خدمة حيوية القرى اللبنانية وتعزيز أمنها الغذائي.